ابن الجوزي
342
صفة الصفوة
986 - عابد آخر ذو النون قال : رأيت رجلا في البرّيّة يمشي حافيا وهو يقول : المحب مجروح الفؤاد لا راحة له . فسلمت عليه فقال : وعليك السلام يا ذا النون . فقلت : عرفتني قبل هذا ؟ قال : لا . قلت ، فمن أين لك هذه الفراسة ؟ فقال : ممن يملكها . ليست مني ، هو الذي نوّر قلبي بالفراسة حتى عرّفني إياك من غير معرفة سبقت لي ، يا ذا النون قلبي عليل وجسمي مشغول ، وأنا سائح في البريّة أسير فيها منذ عشرين سنة ما أعرف بيتا ، ولا يكنّني سقف يسترني من الشمس إذا كظّت ، ويحفظني من الرياح إذا هبّت ، فصف لي بعض ما أنا فيه إن كنت وصّافا . فقلت : القلب إذا كان عليلا جالت الأحزان والأسقام فيه ، ليس للقلب مع ذلك دواء . فصرخ صرخة ثم قال : ما لي وللشكوى ؟ ثم قال : ما صحبت صاحبا منذ صحبته . أصحبك اليوم . فقلت : قم بنا . فقمنا جميعا نسير بلا زاد ، فلما أوغلنا في البرية وطوينا ثلاثا قال لي : قد جعت ؟ قلت : نعم ، قال : فأقسم عليه حتى يطعمك . قلت : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا سألته شيئا ، إن شاء أطعم وإن شاء ترك . فتبسم وقال : امض الآن ، فلقد أفيض علينا من أطايب الأطعمة ولذيذ الأشربة حتى دخلنا مكة سالمين . ثم فارقني وفارقته . فكان ذو النون كلما ذكره بكى وتأسّف على صحبته . 987 - عابد آخر ذو النون قال : بينا أنا سائر في بعض الطرق فإذا فتى حسن الوجه ، أثر التهجّد بين عينيه . فقلت : حبيبي من أين قدمت ؟ فقال : من عنده . فقلت : وإلى أين ؟ فقال : إلى عنده . قال : فعرضت عليه النّفقة فنظر إليّ مغضبا ثم ولّى وأنشأ يقول : وكافر باللّه أمواله * تزداد أضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم * يزداد إيمانا على فقره لا خير فيمن لم يكن عاقلا * يمد رجليه على قدره